السيد علي الطباطبائي
263
رياض المسائل ( ط . ق )
وقول المخالف لنا أن الكلب متى أكل يخرج عن أن يكون معلما ليس بشيء لأن الأكل إذا شذ به وندر لم يخرج به عن أن يكون معلما ألا ترى أن العاقل منا قد يقع منه الغلط فيما هو عالم به ومحسن له على سبيل الشذوذ من صياغة وكتابة وغيرهما ولا يخرج عن كونه عالما فالبهيمة مع فقد العقل بذلك أحق انتهى هذا مع أن فيه جمعا بين الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة الدالة على عدم البأس بأكل ما أكله الكلب على الإطلاق والمعتبرة المستفيضة الدالة على النهي عنه كذلك بحمل الأولة على صورة الندرة والثانية على صورة التساوي أو الغلبة وربما أشعرت باختصاصها بهذه الصورة لما فيها من التعليل بعدم الإمساك على المرسل على نفسه ففي صحاحها إذا أكل فلم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه وفي بعضها إذا أمسكه وأكل منه فلا تأكل فإنه أمسكه على نفسه فتدبر وتأمل خلافا للصدوقين وجماعة فقالوا إن عدم الأكل ليس بشرط للصحاح الأولة وفي قولهم إطراح للنصوص الأخيرة والذب عنه بحملها على التقية كما يظهر من الصحيح قلت إنهم يقولون إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه فلا تأكل قال كل أوليس قد جامعوكم على أن قتله ذكاته قال قلت بلى قال فما يقولون في شاة ذبحها رجل أذكاها قال قلت نعم قال فإن السبع جاء بعد ما ذكي فأكل بعضها أيؤكل البقية فإذا جاءوك إلى هذا فقل لهم كيف تقولون إذا ذكى هذا وأكل منها لم تأكلوا منها وإذا ذكي هذا وأكل أكلتم مدفوع بأن في بعضها ما ينافي حمله وهو حصر المنع عن أكل ما قتله الفهد ففي الموثق كالصحيح بل ربما عد من الصحيح لا بأس أن تأكلوا مما أمسك الكلب مما لم يأكل الكلب فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه قال وسألته عن صيد الفهد وهو معلم للصيد فقال إن أدركته حيا فذبحه وكله وإن قتله فلا تأكل منه وهو مناف للحمل المزبور لتحليلهم ما فيه منع عنه وللإسكافي ففرق بين أكله منه قبل موت الصيد وبعده وجعل الأول قادحا في التعليم دون الثاني وهذا أضعف من سابقه لأن فيه إما إطراحا لجميع النصوص حيث لم يقل بإطلاق شيء من قسيميها أو جمعا بينها بما لا وجه له ولا شاهد عليه أصلا فلا يمكن أن يكون به مفتيا وليس كذلك الجمع الذي اخترناه ولوضوح الشاهد عليه من الإجماع المنقول المعتضد بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا بل لعلها الآن إجماع في الحقيقة وبها يمكن ترجيح هذا الجمع ولو فرض فقد الإجماع المنقول لأنها من أعظم المرجحات الاجتهادية هذا مضافا إلى حجة المرتضى بعده المتقدمة وبالجملة لا ريب عند الأحقر فيما ذهب إليه الأكثر واعلم أن هذه الأمور لا بد من تكررها مرة بعد مرة أخرى ليغلب على الظن تأدب الكلب بها فيصدق عليه في العرف كونه مكلبا والأولى أن لا يقدر المرات بعدد كما فعله جماعة بل يرجع إلى العرف وأهل الخبرة واعلم أن استعمال آلة الصيد حيوانا كانت أو جمادا نوع من التذكية فيشترط فيه ما يشترط فيها بلا خلاف أجده وهو الحجة مضافا إلى أصالة الحرمة المتقدمة مع اختصاص أدلة الإباحة كتابا وسنة بحل ما اجتمعت فيه شروط التذكية وإطلاق بعضها غير شامل لما عداه لوروده لبيان حكم آخر غيرها فلا يكون حجة هذا مع أن الحجة على اعتبار كل من الشرائط الآتية بالخصوص قائمة [ يعتبر في المرسل أمور ] فيعتبر في المرسل للكلب وما في حكمه [ الأول أن يكون مسلما أو بحكمه ] أن يكون مسلما أو بحكمه كولده المميز الغير البالغ ذكرا كان أو أنثى فلو أرسل الكافر لم يحل وإن سمى أو كان ذميا على الأقوى بل عليه في الانتصار إجماعنا لما مضى مضافا إلى ما سيأتي في الذبيحة وكذا الناصب من المسلمين والمجسمة أما غيرهما من المخالفين ففي حل صيده الخلاف الآتي ثمة ولا يحل صيد الصبي غير المميز ولا المجنون لاشتراط القصد الممتنع عنهما كما يأتي مضافا إلى الأصل الماضي ومقتضاه وإن كان حرمة صيد المميز أيضا إلا أنه خارج بالإجماع ظاهرا وبما سيأتي في الذبيحة من النص والفتوى المبيحين لذبيحته فيدلان على إباحة صيده بطريق أولى لأنه يفتقر [ يغتفر في الصيد ما لا يفتقر [ يغتفر فيها مع أنه في حكمها كما مضى وأما الأعمى فإن تصور فيه قصد الصيد المشترطة في إباحته حل صيده وإلا فلا وأن يكون مرسلا و [ الثاني قاصدا بإرساله الصيد ] قاصدا بإرساله الصيد فلو استرسل الكلب بنفسه من غير أن يرسله أو أرسله لكن لا بقصد الصيد كما إذا رمى سهما إلى هدف فصادف صيدا فقتله أو أرسله لكن مقصوده ليس محللا كما لو ظنه خنزيرا فأصاب محللا لم يحل بلا خلاف ظاهر بل عليه في الأول الإجماع في الخلاف للخبر إذا أرسلت كلبك فكل حيث قيد تجويز الأكل بالإرسال فلا يجر في الاسترسال ولا مع عدم القصد لأنه في قوته قيل وفيه نظر ولعل وجهه إما قصور السند وليس بوجه لانجباره بالعمل أو ضعف الدلالة بقوة احتمال ورود الشرط مورد الغالب فلا عبرة بمفهومه وهو وجيه إلا أن الأصل المتقدم المعتضد بعدم الخلاف دليل في المقامين قوي وربما اعتضده بظاهر الخبر عن كلب أفلت ولم يرسل صاحبه فصاد فأدركه صاحبه وقد قتله أيأكل منه قال لا وفيه نظر لاحتمال استناد المنع فيه عن الأكل إلى عدم التسمية لا إلى الاسترسال فلا دلالة فيه على اعتبار الإرسال بل ربما كان في ذيله ما يشعر بعدم اعتباره وأن الوجه في المنع عن الأكل المتقدم هو ما ذكرناه من الاحتمال وهو قوله بعد ما مر وقال ع إذا صاد وقد سمى فليأكل وإن صاد ولم يسم فلا الخبر ولعله لذا أن في الكفاية بعد مناقشته في الحكم المستند في كلام بعض الأصحاب إلى الرواية التي مر إلى النظر فيها الإشارة وتضعيفها عارضها بهذه الرواية وفيه مناقشة لابتناء المعارضة على وضوح دلالة هذه الرواية على عدم اعتبار الإرسال وليس بواضح لاحتمال أن يكون المراد بالذيل والتتمة الدالة على جعل المعيار في الإباحة هو التسمية الكناية عن اعتبارها مع الإرسال المصاحب لها غالبا سيما على القول بكون وقتها عنده لا مطلقا فتأمل جدا والمعتبر قصد الجنس المحلل لا عينه فلو أرسل كلبه أو سهمه على صيد معين فقتل غيره حل لتحقق القصد ولصريح الخبر المنجبر قصور سنده بابن محبوب الراوي عن موجبه عن رجل سمى ورمى صيدا فأخطأ وأصاب آخر فقال يأكل منه إلا أنه يوجد في نسخة مروية في التهذيب لا يأكل لكن النسخة الأولى مروية في الكافي والتهذيب في نسختها الأخرى فهي أقوى [ الثالث أن يكون مسميا عند الإرسال ] وأن يكون مسميا عند الإرسال لما مر مضافا إلى عموم وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ونحوه من النصوص وخصوص بعضها وفي الكلب خاصة قوله سبحانه فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ